المطران سويف: مدعوون إلى بناء وطن يصون السيادة وحصرية الأمن
08 Nov 202612:37 PM

المطران سويف: مدعوون إلى بناء وطن يصون السيادة وحصرية الأمن


ترأس رئيس أساقفة أبرشية طرابلس المارونية، المطران يوسف سويف، قداسًا احتفاليًا في كاتدرائية مار ميخائيل في طرابلس، لمناسبة عيد مار ميخائيل رئيس الملائكة وأحد تجديد البيعة، عاونه فيه النائب الأسقفي العام المونسنيور أنطوان مخايل، النائب الأسقفي الخاص المونسنيور جوزاف غبش، والخوري سيمون ديب، والخوري جورج جريج، في حضور حشد كبير من الفاعليات والمؤمنين.

بعد الإنجيل المقدس، ألقى المطران سويف عظة تناول فيها المعاني الروحية والكنسية لعيد مار ميخائيل وأحد تجديد البيعة، وأهمية تجديد الإيمان والالتزام برسالة الكنيسة، متوقفا عند المسؤولية الوطنية وضرورة بناء دولة المؤسسات والعدالة، وصون كرامة الإنسان والتعددية والسيادة الوطنية.

وأكد سويف أن "المواطنة ليست فكرة خارج الإيمان، بل إحدى ساحات تجسده في الحياة العامة. نحن مدعوون إلى الانتقال من الأنا إلى النحن، وإلى بناء وطن يحفظ كرامة كل إنسان، ويحمي تعدديته، ويقيم دولة مؤسسات وعدالة وشفافية، ويؤمن التربية والعمل والصحة والأمان، ويصون السيادة وحصرية الأمن بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية".

وقال في عظته: "نلتقي اليوم في كاتدرائية مار ميخائيل، كنيسة الأسقف وعلامة وحدة الأبرشية، في عيد شفيعنا وفي أحد يحمل إلينا دعوة جديدة إلى التجدّد. وفي زمن تتكاثر فيه الأسئلة ويثقل فيه وجع الإنسان والوطن، نعود إلى حضور المسيح الذي يطمئن كنيسته قائلاً: «وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر» (متى 28: 20). من هذا الحضور نستمد الرجاء، ومنه نفهم أن الكنيسة لا تعيش لنفسها، بل لتكون علامة قرب الله من الإنسان، ومساحة شركة ومحبة ورسالة، حيث يتحول الإيمان إلى حياة، والرجاء إلى التزام، والصلاة إلى مسؤولية."

وأضاف سويف: "ويأتي عيد مار ميخائيل متزامناً مع أحد تجديد البيعة في ليتورجيتنا المارونية، فيلتقي في احتفالنا بعدان متكاملان: أولوية الله وتجدد الكنيسة. فاسم ميخائيل، «من مثل الله؟»، يعيد ترتيب حياتنا على ضوء الله، ويدعونا إلى التمييز والثبات في الحق والانتصار للمحبة. أما تجديد البيعة فلا يعني تجديد الحجر، بل تجديد شعب الله في دعوته وهويته ورسالة عهده مع الرب. يقول الرسول بطرس: «كونوا أنتم أيضاً مبنيين، كحجارة حية، بيتاً روحياً» (1 بطرس 2: 5). والكنيسة تتجدد حين تعود إلى الكلمة وتتغذى من الإفخارستيا وتترك للروح القدس أن يعيد فيها حرارة الإيمان وصدق الشركة، فتسير جماعة واحدة في طريق سينودوسي قوامه الشركة والمشاركة والرسالة".

وشدد على أنه "من هنا نعلن عنوان كرازة سنتنا الرعوية: «هأنذا فأرسلني» (أشعيا 6: 8). «هأنذا» هي أولاً كلمة الإنسان الذي سمع كلمة الله وسمح لها أن تدخل قلبه وتستنير بها حياته؛ الإنسان الذي يقف أمام الرب ويقول له: أنا حاضر، أنا لك، أصغي إليك وأضع ذاتي بين يديك. إنها ليست كلمة عابرة، بل موقف داخلي، واتحاد بالمسيح، وقرار بأن تكون الكلمة مرجعاً للحياة. وفي هذا «الهأنذا» ألتقي بالله وألتقي بالآخر، وأكتشف أن دعوتي لا تكتمل منفرداً، بل داخل جسد الكنيسة، مع الكهنة والعلمانيين والعائلات والأخويات والجمعيات وكل الذين يحملون معنا مسؤولية الرسالة. وهي أيضاً خلاصة ما سمعناه وشهدناه معاً في المسيرة التي نتقاسمها: كلمة الله تُصغي إليها الجماعة، فتجمعها، وتوحّد مواهبها، وتفتحها على الخدمة".

وأوضح سويف أنه "أما فأرسلني، فهي الانتقال من اللقاء إلى الرسالة، ومن الإصغاء إلى الشهادة. يقول الرب القائم لتلاميذه: «كما أرسلني الآب أرسلكم أنا أيضاً» (يوحنا 20: 21). فالمسيحي ليس من يحتفظ بالإيمان لنفسه، بل من يحمله إلى قلب العالم، إلى الإنسان في تعبه وقلقه واحتياجاته. والإرسال يعني أن يصبح الإيمان عملاً، والمحبة قرباً، والرجاء التزاماً: في خدمة الفقير والمتألم، في مرافقة الشباب والعائلات، في الدفاع عن كرامة الإنسان، وفي تعزيز التربية والعمل والصحة وكل ما يساعد الإنسان على أن يعيش بكرامة. وهكذا تخرج الكنيسة من ذاتها، لا لتفرض حضورها، بل لتشهد بحضور المسيح الذي يخدم ويصغي ويشفي ويجمع".
وختم: "من هذه الروح نفهم مسؤوليتنا الوطنية. فالمواطنة ليست فكرة خارج الإيمان، بل إحدى ساحات تجسده في الحياة العامة. نحن مدعوون إلى الانتقال من «الأنا» إلى «النحن»، وإلى بناء وطن يحفظ كرامة كل إنسان، ويحمي تعدديته، ويقيم دولة مؤسسات وعدالة وشفافية، ويؤمن التربية والعمل والصحة والأمان، ويصون السيادة وحصرية الأمن بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية. ويقول الرب يسوع: «طوبى لصانعي السلام، فإنهم أبناء الله يدعون» (متى 5: 9). لذلك نختار منطق الحوار، ونرفض كل ما يزرع الانقسام أو يضعف الدولة، ونلتزم ثقافة السلام والمسؤولية المشتركة. وفي ختام هذا الاحتفال، أتوجه بالشكر الصادق إلى جميع الحاضرين، إلى كهنتنا والعلمانيين، وإلى الأخويات والجمعيات والعائلات وكل من يدعم هذه المسيرة الكنسية والخيرية والرعوية. وليكن جوابنا جميعاً، اليوم وفي كل يوم: «هأنذا فأرسلني». آمين".