ميشال أبو نجم
الشرق الأوسط
تجهد السلطات الفرنسية لتجنب «سبت أسود» جديد شبيه بما عرفته البلاد في 17 الشهر الحالي، وذلك مع حلول موعد يوم التعبئة الجديد هذا السبت (31 تشرين الأول) بدعوة من تنسيقية «السترات الصفراء»، وانضمام نقابات طالبية وغير طالبية إليها، ما يؤشر، مجدداً، إلى تداخل المطالب ووجود دينامية احتجاجية اجتماعية واقتصادية.
يأتي ذلك على خلفية احتدام السجال السياسي إن بشأن كيفية التعاطي مع المطالب والمظاهرات التي تبين أجندتها أنها متواصلة، أو بسبب التأزم السياسي الذي تعيشه فرنسا مع اقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية (بعد أقل من 200 يوم)، أو بسبب الأوضاع الاقتصادية والمالية المتدهورة التي تحرم الحكومة من إمكانية التجاوب مع بعض ما يريده الشارع.
ولخص رولان ليسكور، وزير الاقتصاد، في حديث صباحي لإذاعة «فرنس أنفو» العامة الوضع، بالاستناد إلى أرقام «المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادي»، بقوله إن الاقتصاد الفرنسي «أصبح، بحلول عام 2026، في حالة جمود بسبب مزيج غير مسبوق من الصدمات الخارجية والداخلية».
وأوضح ليسكور أن الاقتصاد انكمش بشكل غير متوقع في الفصل الثالث من العام الحالي، بينما التضخم الذي يلتهم مصادر العيش للشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة بلغت نسبته، في الشهر الحالي، 3.8 في المئة، وهي أعلى نسبة منذ عام 2023.
ويترافق الانكماش مع ارتفاع المديونية الفرنسية (3600 مليار يورو)، وارتفاع فوائد الاستدانة الحكومية (5 في المئة)، وهي من بين النسب الأسوأ داخل الاتحاد الأوروبي. وما يكبل قدرة السلطات على التحرك في الميدان الاجتماعي أن فائدة الديون تثقل بكاهلها على الدولة، بحيث ستصل مع نهاية العام الحالي إلى 77.5 مليار يورو. وتواجه الحكومة صعوبات غير مسبوقة في تمرير ميزانيتها لعام 2027 في البرلمان بسبب الانقسامات السياسية. بيد أن الانكماش لا ينطبق على كبريات الشركات الفرنسية؛ وأولاها «توتال إنيرجيز»، التي حققت في الفصل الثالث من العام الحالي أرباحاً صافية تزيد على 7 مليارات يورو.
مطالب بالجملة
بناء على ما سبق، تبدو السلطات مكبلة في التعاطي مع مطالب النقابات، ومنها رفع الرواتب؛ وأولها رواتب الحد الأدنى وربطها بنسبة التضخم ومحاربة الغلاء وتحقيق العدالة الاجتماعية والضريبية وتحسين الخدمات العامة، كما في المستشفيات والنقل والخدمات الاجتماعية والقطاع التعليمي، وتوفير مزيد من الإمكانات المالية لتحقيق النقلة البيئوية، وإطلاق المفاوضات في قطاع الوظائف العامة فوراً بخصوص الرواتب.
وتدعو حركة «السترات الصفراء» إلى خفض أسعار المشتقات النفطية والكهرباء والغاز التي ارتفعت في الأشهر الأخيرة بنسب عالية، بينما المطالب الأخرى تندمج فيما تدعو إليه النقابات العمالية. ورغم العروض التي قدمتها الحكومة لطلاب التعليم الثانوي والجامعي (مزيد من الأساتذة وبرنامج لتحسين الأوضاع المادية للثانويات والكليات وتعديل آلية اختيار الاختصاصات لما بعد التعليم الثانوي، وإيجاد 15 ألف مقعد جامعي في الاختصاصات المهنية والتقنية...)، فإن العديد من النقابات يعتبر أن المعروض «ليس سوى الفتات»، وبالتالي «غير كافٍ» لا يتوافق مع المطالب المرفوعة، وبالتالي فإن حراكهم «متواصل». وسبق للرئيس ماكرون أن دعا تلامذة التعليم الثانوي الى «العودة بهدوء» إلى مدارسهم، وهو ما دعا إليه أيضاً إدوار جيفراي، وزير التربية. وتجدر الإشارة إلى أن فرصة الخريف تنتهي الأحد، ويعود التلامذة، مبدئياً، إلى مدراسهم الاثنين.
الإجراءات الاستباقية
لأن الأمور تسير على هذا المنوال، فإن الحكومة العاجزة تستبق الاستحقاق الراهن بالعمل على منع تفاقمه، وذلك من خلال اتخاذ التدابير الأمنية الأكثر صرامة والتي جربتها السبت الماضي، ونجحت في تجنيب البلاد كثيراً من أعمال العنف والاشتباكات. ولتبرير الإجراءات الأمنية المكثفة، نبه لوران نونيز، وزير الداخلية، في لقاء صحافي، إلى أن يوم السبت الذي يعدّ «الفصل الثالث» من حراك «السترات الصفراء» سيكون صعباً، ما يبرر تحشيد 70 ألف رجل شرطة ودرك وأمن، مضافاً إليهم بعض وحدات الجيش والوحدات الأمنية المتخصصة.
ونبه الوزير المذكور الذي قدم استقالته لرئيس الجمهورية بعد «السبت الأسود» لكن الأخير رفضها، إلى أن رد القوى الأمنية سيكون «حازماً للغاية»، مضيفاً أن «يوم 31 أكتوبر ينطوي على مخاطر بالغة على النظام العام». والسبب وجود «العديد من الدعوات إلى التجمعات الصادرة عن الحركة العمالية واليسار المتطرف، وبعض المواقع الإلكترونية المتطرفة التابعة لحركة (السترات الصفراء) التي تحث الناس على المشاركة في تجمعات بالشوارع العامة في عدد من المدن بأنحاء فرنسا، مصحوبة برسائل متنوعة يمكن القول إنها متطرفة للغاية».
ولم يكتفِ وزير الداخلية بما قاله في مؤتمره الصحافي؛ بل عمد، الجمعة، إلى توجيه برقية إلى المحافظين في جميع أنحاء فرنسا، لتنبيههم إلى وجود مخاطر مرتفعة جداً لاندلاع أعمال عنف واضطرابات في المدن يوم السبت، بمناسبة الاحتفال بـ«عيد الهالوين».
ودعا إلى رفع جهوزية العناصر الأمنية إلى نسبة 75 في المئة، وتكثيف مراقبة التجمعات والمظاهرات غير المرخصة التي قد تتحول إلى مسيرات عشوائية وإجراء عمليات تفتيش ومراقبة استباقية في محطات القطارات ومحاور النقل، للكشف عن الأدوات التي قد تُستخدم في ارتكاب أعمال عنف؛ مثل الأقنعة وأغطية الوجه والألعاب النارية والمقذوفات النارية. كذلك حثهم على اللجوء إلى التدابير الأمنية الإدارية المتوافرة بين أيديهم؛ مثل حظر التجمعات أو المظاهرات، وفرض قيود على التنقل والتجمع في مراكز المدن، إضافة إلى فرض حظر التجول في محاولة للإكثار من العوائق التي من شأنها إضعاف ديناميات التظاهر ومنع الوصول إلى الأماكن «الحساسة» والشوارع التجارية لتجنب الحرائق وأعمال السلب والنهب.