لبنان قاعدة لـ"القاعدة" واقع تشرحه الوقائعSat 28 Jan 2012 - 1:45:00 PM

هل لبنان قاعدة لـ «القاعدة»؟ وهل لتنظيم «القاعدة» نشاط في لبنان؟ أم أن بلاد الأَرز مجرد ممر إلى بلاد الشام؟ الجواب على هذه الأسئلة لدى «القاعدة» نفسها التي تجعل من لبنان تارة أرض نصرة للمقاومة في العراق وفلسطين وتارة أخرى أرض جهاد ضد قوى لبنانية داخلية، كما أن الجواب لدى وزير الدفاع اللبناني فايز غصن الذي صرّح مؤخرا بأن عناصر من تنظيم «القاعدة» قد عبرت إلى سوريا من بلدة عرسال البقاعية، مُخرجا بذلك التحليلات حول وجود «القاعدة» في لبنان من إطار التكهن، وواضعا إياها في إطار الأمر الواقع الذي يجب العمل على محاربته.

حديث وزير الدفاع اللبناني عن «القاعدة» في لبنان أعاد إلى الأذهان اسم تنظيم «فتح الإسلام» واسم «كتائب عبد الله عزام - سرايا زياد الجراح» التي هي عمليا القاعدة في بلاد الشام والتي سبق لها أن أعلنت مسؤوليتها عن تنفيذ عمليات ضد الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» التابعة للأمم المتحدة في تناغم واضح مع إعلان رجل «القاعدة» أيمن الظواهري عام 2006 أن لبنان هو أرض جهاد وأنه سيقاتل الصليبيين عبر القوات الدولية العاملة في الجنوب إضافة إلى مباركته عام 2007 العمليات التي استهدفت هذه القوات.

«القاعدة» بالأرقام

صحيح أن كلام وزير الدفاع اللبناني عن وجود للقاعدة في لبنان أثار حفيظة عدة قوى سياسية نظرا لتقدم الاعتبارات السياسية على ما سواها في هذه المرحلة الدقيقة التي تعيشها المنطقة بأسرها والتي تنعكس سلبا على لبنان، إلاّ أن أمورا كثيرة سُجّلت سابقا تؤكد وجود نشاط لتنظيم «القاعدة» في لبنان عبر خلايا مختلفة.

فالنشاط الإلكتروني البارز من بيروت باسم «تنظيم القاعدة ولاية لبنان» لا يمكن التغاضي عنه، وفي عام 2002 اعتقلت السلطات اللبنانية مجموعة مؤلفة من 20 شخصا بينهم لبنانيون بتهمة إنشاء تنظيم القاعدة في لبنان، وقد نشرت السلطات اللبنانية في حينها أسماء قاعدية بألقاب مختلفة ضمن شبكة القاعدة المتورطة بتفجيرات في لبنان.

وفي عام 2002 أيضا، ألقي القبض على اللبناني حسين فارس في بيونس آيرس بتهمة تورطه بتفجير إرهابي، وتمت مصادرة صور لـ«بن لادن» في منزله، كما تم اعتقال اللبناني دياب أبو جهجاه في العام عينه في بلجيكا وبتهمة الإرهاب أيضا والارتباط بتنظيم «القاعدة».

وفي عام 2004 كشفت السفارة الإيطالية في بيروت أنها أحبطت بمؤازرة وزارة الداخلية اللبنانية هجوما إرهابيا على مقرها، وتبين لاحقا أنه تم إلقاء القبض على شبكتين من تنظيم القاعدة، وفي نفس العام تم اعتقال اللبناني محمد كمال الذهبي في أميركا بتهمة الإرهاب والارتباط بالقاعدة.

وفي مطلع عام 2006 تم توقيف 13 عنصرا بايعوا أمراء تنظيم «القاعدة» عُرفوا باسم «مجموعة الـ13»، وكانوا ينتمون إلى جنسيات مختلفة من السعودية إلى فلسطين وسوريا ولبنان.

واسم زياد الجراح القاعدي اللبناني ابن شقيق النائب جمال الجراح الذي كان واحدا من الـ19 شخصا الذين نفذوا هجمات 11 سبتمبر عام 2001 يبقى بدوره علامة فارقة.

وتنظيم «القاعدة» أعلن عن وجوده في لبنان أيمن الظواهري في شهر سبتمبر من عام 2006، عندما قال في تسجيل صوتي له إن لبنان هو أرض جهاد وسيقاتل الصليبيين عبر القوات الدولية في الجنوب، وما تبنّي «كتائب عبد الله عزام - سرايا زياد الجراح» عمليات إطلاق صواريخ من جنوب لبنان على الأراضي المحتلة وتنفيذ عمليات ضد الجيش اللبناني واليونيفيل إلا تناغما مع ما أعلنه الظواهري.

ومن المعروف أن المخيمات الفلسطينية في لبنان وخصوصا مخيم «عين الحلوة» شرق مدينة صيدا الجنوبية تحول بعد احتلال العراق في العام 2003 إلى مأوى للحركات الأصولية، كتنظيم «فتح الإسلام» و«جند الشام» وغيرهما، وقد سمح هذا الأمر بتجنيد مئات الشبان العرب في «أرض النصرة» التي هي لبنان تمهيدا للانتقال إلى «أرض الجهاد» التي هي العراق، وعوضا عن الانتقال إلى العراق لمقاتلة الجيش الأميركي، انتقل معظمهم إلى مخيم «نهر البارد» لمقاتلة الجيش اللبناني.

وقد ظهر جليا وجود تنظيم «القاعدة» في لبنان مع المعارك الإرهابية التي شنها تنظيم «فتح الإسلام» ضد الجيش اللبناني في مخيم «نهر البارد» الفلسطيني في شمال لبنان عام 2007، بعد عمليات إرهابية استهدفت عناصر من الجيش اللبناني تولاها هذا التنظيم عبر تصفيتهم في مراكزهم، وقد أثبتت التحقيقات أن هذا التنظيم ترأسّه شاكر العبسي الذي كان مساعدا لأبي مصعب الزرقاوي المنتمي فكريا إلى «القاعدة».

وإذا كانت معارك «نهر البارد» قد انتهت بعد تضحيات قاسية دفعها الجيش اللبناني بصدور عارية للقضاء على تنظيم «فتح الإسلام»، فإن انتصار الجيش لا يعني أن لبنان قد تخلَّص من «القاعدة» وأخواتها إلى غير رجعة.

لبنان ساحة «جهادية - سلفية»

فظاهرة «فتح الإسلام» حوّلت لبنان إلى ساحة من ساحات «الجهادية- السلفية» إذ بالرغم من قضاء الجيش اللبناني عام 2007 على تنظيم «فتح الإسلام» بعدما تحول مخيم «نهر البارد» إلى مسرح دام من المواجهات بينهما، فإن ظاهرة «فتح الإسلام» التي كانت جديدة على لبنان في حينها فتحت أبواب الاحتمالات من انبعاثها مجددا بأشكال وصيغ مختلفة، وهكذا يبدو أن البيئة التي احتضنت تنظيم «فتح الإسلام» في العام 2007 شرعت أبوابها مجددا لتنظيم «فتح الإسلام» ولتنظيمات أخرى على شاكلته، وها هي اليوم تقدم ابتداء من مخيم «عين الحلوة» في الجنوب وصولا إلى مخيم «نهر البادر» في الشمال أسماء مثل «عصبة الأنصار» و«جند الشام» و«فتح الإسلام»، وقد أطلت هذه التنظيمات برأسها مؤخرا من مخيم «عين الحلوة» الفلسطيني في جنوب لبنان، من خلال تنفيذها عمليات إرهابية ولكن هذه المرة بحق فلسطينيين.

كتائب العزام «قاعدة» لبنانية

ولبنان الذي لم يكن مقرا لتنظيم القاعدة الذي يرجح انه لم يكن يعتبره حاجة لعملياته، ولبنان الذي كان بمثابة ممر لبعض الأشخاص الذين ينتمون إلى فكر القاعدة أو الذي كان بمثابة مقر مؤقت لهم، يبدو أنه بات أكثر من ممر أو مقر مؤقت، بحيث إن «كتائب عبد الله عزام - سرايا زياد الجراح» التي ولدت عام 2004 لم تكن تعتبر تنظيما لبنانيا بالنظر إلى كون الغالبية العظمى من أعضائه إما من السعوديين وإما من الفلسطينيين وليسوا من اللبنانيين، فقد باتت الأجهزة الأمنية اللبنانية تصنفه على أنه تنظيم لبناني نظرا إلى تمركزه في الأراضي اللبنانية واعتبار الأراضي اللبنانية ساحة لعملياته ومنطلقا لها.

«القاعدة» في «عين الحلوة»

فمؤخرا تردد كثيرا أن أمير «كتائب عبد الله عزام» الموجودة في المخيمات الفلسطينية وخاصة في مخيم «عين الحلوة» شرق مدينة صيدا سعودي الجنسية ويدعى صالح عبد الله القرعاوي وتحمل بيانات الكتائب توقيعه ومطلوب في السعودية لأنه موضوع على لائحة الإرهاب، كما تردد أن القاعدي السعودي المعروف بـ «أبو جبل» الذي تدرجه الولايات المتحدة الأميركية على لائحة الإرهاب موجود في مخيم «عين الحلوة»، ويذكر قياديو الفصائل الفلسطينية في المخيم أنه على علاقة تنظيمية بـ «كتائب عبد الله عزام»، وذكر مؤخرا أن القاعدي عبد المجيد عزام حفيد عبد الله عزام موجود في مخيم «عين الحلوة» وقد دخله بهوية مزورة بهدف رص صفوف الجماعات الإسلامية داخله تحضيرا لعمليات مرتقبة، كما تردد كثيرا اسم القاعدي الفلسطيني توفيق طه المطلوب من كافة الأجهزة الأمنية اللبنانية نظرا لتورطه بأكثر من عملية إرهابية والذي في رصيده اكثر من حكمي إعدام، وإضافة إلى القرعاوي و«أبو جبل» يطفو إلى سطح مخيم «عين الحلوة» اسم قاعدي سعودي ثالث يدعى ماجد الماجد، وتؤكد المصادر الأمنية اللبنانية انه قدم إلى لبنان من العراق مرورا بالأراضي السورية بهدف تنظيم صفوف المقاتلين، وتعتبر المصادر نفسها أن الماجد هو الأشد خطورة.

كما تردد أن مخيم «عين الحلوة» وحده يؤوي أكثر من 200 قاعدي، ولا تخف الأوساط الأمنية اللبنانية تخوفها من المخيمات الفلسطينية نظرا لما تؤويه من مجموعات متطرفة على رأسها «كتائب عبد الله عزام» و«جند الشام» و«فتح الإسلام»، وتعتبرها قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة وتفجّر معها الوضع الأمني برمته.

ومن المعروف أن مخيم «عين الحلوة» يؤوي إضافة إلى الأسماء الطارئة عليه، أسماء لقاعديين كهيثم عبد الكريم السعدي المعروف بـ «أبو طارق»، وعبد الغني جوهر، ونعيم عباس، وزياد أبو النعاج.

لبنان ليس مقراً بل ممر

ولكن هذه الأسماء كلها التي يتم تردادها في أوساط الأجهزة الأمنية اللبنانية وفي أوساط الفصائل الفلسطينية، يعتبرها الخبير في الشؤون الإسلامية الشيخ عمر بكري فستق غير منتمية إلى «القاعدة»، ويشدد لـ الوطن أن صالح القرعاوي ليس مسؤولا في القاعدة، وأن «الأسماء التي توردها وسائل الإعلام عن أشخاص يتواجدون في لبنان وينتمون للقاعدة إنما توردها بناء على اصطفافات سياسية معينة».

ويؤكد فستق خلافا للمؤسسة العسكرية ولوزير الدفاع أن «لا وجود لـ «القاعدة» في لبنان أو في بلاد الشام وإنما هناك أفراد يتعاطفون معها، والذين يتعاطفون مع القاعدة لا يحملون السلاح».

أما عن تفسيره لظاهرة «فتح الإسلام» وممارستها أعمالا إرهابية بحق الجيش اللبناني في العام 2007 فيقول فستق إن «ما حصل في نهر البارد يدخل ضمن نطاق زواريب السياسة اللبنانية ولا علاقة له بالقاعدة»، ويستطرد: «ما قام به «فتح الإسلام» هو إرهاب وعنف ولكن ليس كل إرهاب وعنف هو تنظيم القاعدة».

وفيما خص النشاط الإلكتروني الذي مصدره بيروت ويحمل توقيع «تنظيم القاعدة ولاية لبنان»، فيرى الشيخ فستق أنه «صنيعة الأجهزة الأمنية السورية وكل البيانات التي تحمل توقيع تنظيم القاعدة مشبوهة».

ويعتبر فستق أن «ليس هناك من جماعات في لبنان تتحرك بإمرة تنظيم «القاعدة» وليس هناك جماعات سلفية جهادية تحمل مشروعا كمشروع تنظيم «القاعدة»، وكافة الجماعات السلفية اللبنانية تابعة للنظام اللبناني»، وحتى «كتائب عبد الله عزام» التي تعتبر في نظر الاجهزة الامنية والجهات السياسية تنظيم «القاعدة» في بلاد الشام لا يرى فيها فستق تنظيما تابعا لـ«القاعدة» على قاعدة أن «طريقة عملها وأسلوبها في نشر أفكارها لا يشبهان أسلوب وطريقة عمل تنظيم «القاعدة» وإن كانت تتبنى محاربة إسرائيل»، ويحصر فستق مهمة «كتائب عبد الله عزام» في إطار «القتال ضد العدو الإسرائيلي حتى لا يحتكر «حزب الله» هذا القتال».

وعما إذا كان يعتبر أنه يمكن للمخيمات الفلسطينية أن تكون بيئة حاضنة لتنظيمات أصولية قد تكون متضامنة عقائديا مع «القاعدة» يقول: «ليس المخيمات الفلسطينية وحدها يمكن أن تشكل بؤرة للقاعدة بل لبنان بأكمله ويمكن للقاعدة أن تتحرك في أكثر مناطق لبنان أمنا وتنظيما ولكن تنظيم القاعدة» قرر في التسعينيات أن لبنان لا يصلح لنشاطاته لاعتبارات كثيرة ومنها لأن أهل السنة في لبنان ليسوا سلفيين ومعظمهم من التيار الأشعري الحنفي الذي يرفض تنظيم «القاعدة».

وفي مقابل جزمه بأن لبنان ليس مقرا لتنظيم «القاعدة»، يعتبر الشيخ عمر بكري فستق أنه يمكن للبنان أن يكون ممرا لـ «القاعدة» ولكن بمعنى السفر من خلاله «وكل الأرض هي ممرات لتنظيم القاعدة».

المصدرالوطن القطرية