19 Jun 201307:31 AM
"الطائف" التالي!

جورج علم

الجمهورية

 

 

يتعاطى الإتحاد الأوروبي مع النزوح كمشكلة، جاءت كاترين آشتون لتستمع وتسمع، ويبقى هذا الملف - على خطورته - من التفاصيل. هناك ما هو أخطر: ماذا عن لبنان؟ لا بل أيّ لبنان سيبقى بعد ان ينتهي المدّ السوري؟

 

منذ فترة غير قصيرة، دعا الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله الى مؤتمر تأسيسي، لا يهمّ إن حملت السيدة آشتون تطمينات تؤكد بأن الحزب ليس مدرجاً على قائمة الإرهاب، المهم أن يعي الإتحاد الأوروبي خطورة التداعيات على لبنان من جراء تورط الحزب في الصراع داخل سوريا.

 

طرحُ نصرالله، إعتبره البعض دعوة الى "طائف إيراني - شيعي"، بعد "الطائف السعودي - السنّي"، فيما إعتبره البعض الآخر "جملة إعتراضيّة على النظام، والإنتظام العام"، بعدما تيقن بأن اللبنانيين راحوا بعد "حرب التحرير" يضبطون ساعتهم وفق التوقيت الذي يختاره الحزب، إما عن إقتناع، او عن تسليم بالأمر الواقع.

 

وبعد أحداث السابع من أيار عام 2008، شعر بأنه يستطيع أن يفرض أولوياته على اللبنانيين، وجاء إتفاق الدوحة ليكرّس خطأ جسيماً في آلية تأليف الحكومات: ثلث معطّل، وحصص، وحقائب سيادية، وأخرى خدماتية، الى ما هنالك من الأدبيات المستحدَثة في "نهج البلاغة السياسي" المتّبع.

 

بعد حرب تموز 2006 أكمل الحزب معالم دولته من شبكة إتصالات خاصة، جيش مدرّب، اسلحة متطوّرة، الى سائر مستلزمات "الواجب الجهادي"، وعلى قاعدة "ما لنا هو لنا وحدنا، وما للدولة هو لنا وللدولة؟!".

 

ظهر العطب الكبير على طاولة الحوار الوطني، لقد تمكن الحزب من ان ينهك الجميع بمشروع الإستراتيجيّة الوطنية الدفاعية، من دون أن يقدِّم مشروعه، وإكتفى في نهاية المطاف بعنوان فضفاض "حميّل أوجه": الجيش، والشعب، والمقاومة"، والأصح "المقاومة، والجيش، والشعب".

 

وبعد تورّط الحزب في سوريا، كان للأمين العام السيّد نصرالله إطلالات ثلاث، في الأولى قال إنه ذهب للدفاع عن قرى ذات غالبية شيعيّة في القُصير، وعن مقام السيّدة زينب، وعن دمشق، وعن النظام.في الثانية نعى الدولة، وعبّر بغضب وإنفعال عن حقيقة ما يكنّه تجاهها بإسلوب هجومي. وفي الثالثة أعلن الإستقلالية "نحن نكون حيث يجب أن نكون؟!".

 

لم يبادر أحد الى درس هذه الخيارات، ولا زلنا في مرحلة المهاترات، وردود الفعل الغاضبة، فيما المطلوب بحث التداعيات بهدوء، والتعقل، والتيقن من الأخطار التي قد تتهدد الكيان، والمصير، ورسم الخطط البديلة التي من شأنها أن تحمل ضمانات الى اللبنانيين من أن أحداً لايستطيع أن يخطف لبنان ساعة يريد، ولا ان يأخذه الى حيث يريد.

 

عبّرت ردود الفعل عن حالة الإفلاس والإشمئزاز، لكنّها أكدت بفعل سطحيتها وعشوائيتها مدى قوة الحزب، نظراً لخلوّها من أيّ مضمون رادع. غياب البدائل والخيارات الرادعة مكّن الحزب من التعاطي مع اللبنانيين بفوقيّة، لقد تورط في الداخل السوري رغماً عن إرادة الدولة، وساهم في فرض التمديد، ويساهم في نشر الفراغ، وله وجهة نظر في تأليف الحكومة، وإلاّ لا حكومة.

 

ماذا في إمكان السيدة آشتون أن تفعل؟، لا بل ماذا في إمكان السعوديّة التي عليها أن تثبت أقدامها بلبنان قبل أن ترسل أسلحة الى سوريا؟، وأن تمكّن الرئيس المكلّف الذي دعمته، من أن يشكل حكومة تكون بحجم التحديات التي يواجهها لبنان، ويواجهها دورها في لبنان؟

 

بات الصراع مكشوفاً، إنه بين مشروعين، مشروع الدولة وفق إتفاق الطائف، ومشروع حزب الله الملتزم بالمحور الإيراني - السوري. وفي انتظار أن ينجلي غبار المعارك في سوريا، فإن الحزب يريد ان يبقى لبنان في دائرة الفراغ، بجيش منهك في إطفاء الحرائق، ودولة تعيش فراغ التمديد، تصحو على الكيديات وتغفو على المناكفات... الى أن تكتمل مواصفات الحلول والتسويات الخارجية لدول المنطقة بدءاً بسوريا، وإنطلاقاً منها الى لبنان، ودول الجوار بما في ذلك تركيا التي تتدحرج يوماً بعد يوم نحو المواجهات والصدامات تحت راية التغيير... وما على اللبنانيين أصحاب مشروع لبنان أولاً، والكيان أولاً، ودولة القانون والمؤسسات أولاً، ولبنان الصيغة والفرادة أولاً، إلاّ التنبّه قبل فوات الأوان.

 

المؤتمر التأسيسي الذي دعا اليه سيّد الحزب قبل فترة قد يصبح في المستقبل القريب أقلّ المطلوب، وبشروط إيرانيّة إضافيّة، وإذا كان "الطائف السنّي" قد أوصل لبنان الى ما هو عليه، فإنّ "الطائف الشيعي" قد يأتي على ما تبقى من صيغة وكيان... عندها قد يكون على لبنان السلام؟!