طوني عيسى
الجمهورية
سريعاً بدأ التنفيذ: "حزب الله" ضمَّ الجولان إلى منظومته العملانية. وهكذا تحوَّل مثلث شبعا - تلال كفرشوبا - الجولان "منطقة عمليات واحدة"... والبقية تأتي.
لم تمضِ أيام قليلة على الوعد الذي أطلقه السيد حسن نصرالله بإطلاق المقاومة في الجولان، حتى قدّم "الحزب" شروحات عملانية للآليات التي سيعتمدها في "تَمدُّده" شرقاً.
ومسرح عمليات "الحزب" هو: جبل الشيخ، مزارع شبعا، الغجر، القنيطرة، بقعاتا السورية، مسعدة، بانياس، مجدل شمس ومناطق أخرى.
والشروحات التي أعلنها مصدر قيادي بارز في "الحزب" تُختصر بالآتي:
- "المقاومة بدأت تحت الأرض ميدانياً"، من خلال دراسة خصائصها والمعابر النفوذية.
- حصل "الحزب" فعلاً من سوريا على "السلاح الكاسر للتوازن" الذي تحدّث عنه الأمين العام.
- "حزب الله" باشر منذ أيام دراسة انتشار العدو وترتيباته والمستوطنات ورصد دورياته ومتابعة حركة قوات حفظ السلام (الأندوف). وبعد جمع المعطيات في بنك المعلومات، سيحدِّد بنكاً من الأهداف المنتقاة.
- الجولان، الذي تبلغ مساحته 1860 كلم2، سيكون منطقة واسعة للعمليات والكمائن كجزء من حسابات الحرب المقبلة.
- الرئيس بشّار الأسد أعطى تعليمات بإنشاء مقاومة سوريّة على غرار مقاومة "حزب الله"، من ألويةٍ كانت جهّزتها ودرّبتها هذه المقاومة، لتحاكي الطريقة القتالية العصائبية بعد حرب 2006. وبدأ هذا التدبير فوراً بعد الغارة الإسرائيلية على دمشق.
ومع هذا السيناريو، أثبت "الحزب" توقعات الخبراء. إنه سيبحث عن المبرّرات "المشروعة" للدخول من الباب العريض إلى الساحة السورية.
فالمقاومة امتياز أتاح، ويتيح، له الإنجازات السياسية والعسكرية والأمنية الكبرى في لبنان.
وهو اليوم ينقل النموذج إلى سوريا، حيث الإنجازات العسكرية تحصل بدعم مباشر من "الحزب"، وأبرزها السيطرة على مدينة القُصير ذات الأهمية الاستراتيجية.
وفيما كان السياسيون غارقين في تفحُّص جنس الملائكة في ساحة النجمة خلال الأسبوع الفائت، كان "الحزب" يحشد مقاتليه، ويجمعهم في الهرمل، ثم يدفعهم إلى الداخل السوري. ولاحظ سكان المنطقة هذا التوغل في الأيام الثلاثة الأخيرة أكثر من أي وقت مضى.
فغطاء "الجهاد ضد إسرائيل" سيبرِّر تحويل البقعة المجاورة للحدود السورية - اللبنانية، بكاملها، ساحة عمل واحدة لـ"حزب الله" وحليفه الأسد. وسيزداد "الحزب" انغماساً في الحرب الأهلية السورية، إذ يصعب الفصل بين عمله في الجولان وعمله في الداخل.
وزيارة مفتي سوريا الشيخ أحمد حسون لموقع "حزب الله" الجهادي في مليتا مدروسة التوقيت: مفتي السنّة السوريين يبارك الدور المقاوم لـ"حزب الله"... في لبنان وسوريا. ومن البديهي أن ترفض الغالبية السنّية في البلدين هذه المباركة، لكن "الحزب" يتشوَّق إلى عمامة سنّية في هذه اللحظات.
ففي القُصير، مثلاً، صراع بين مجاهدي "حزب الله" ومجاهدي الشيخ سالم الرافعي وإخوانهم السنَّة. وفي الجانبين يراق الدم اللبناني "المجاهد" على أرض بلاد الشام، والخوف من أن يسيل، عبر ما تبقى من شريط حدودي، إلى الداخل اللبناني الملتهب.
وفي النتيجة، قد تقع أحداث ذات طابع "مقاوَمي" في الجولان، وقد لا تقع. لكنّ ورقة الجولان ستكون في جيب "الحزب"، واستعمالها رهن بالحاجة إليها.
فـ"حزب الله" متوقف أساساً عن أي عمل عسكري في الجنوب منذ آب 2006 وصدور القرار 1701، فهل يعود إلى المواجهة من الباب السوري فيما هو يقفل الباب اللبناني؟
ولكن يمكن التساؤل، انطلاقاً من "تطويب" الجولان وتلال كفرشوبا ومزارع شبعا بقعة عمل واحدة: إذا وقعت مواجهة حدودية، فكيف ستتداخل الأحداث بين لبنان وسوريا، وكيف سيردّ الإسرائيليون، وما دور قوات الأمم المتحدة بشقيها: "اليونيفيل" و"الأندوف"، حيث الخلاف على الترسيم في المزارع سيزيد التعقيدات ويضيّع المسؤوليات؟
وانطلاقاً من دور "الحزب"، والدعم الهائل بالعتاد والعديد والخبرات لنظام الرئيس الأسد من طهران وبغداد وموسكو، ترتسم 3 مناطق نفوذ قوية، ويجري تدعيم متاريسها وتأمين الترابط بينها:
1 - المنطقة الساحلية.
2 - المنطقة الوسطى: بقعة القُصَير - حمص - ريف دمشق.
3 - المنطقة الجنوبية: جبل الشيخ والجولان وصولاً إلى مشارف الحدود مع الأردن.
وانطلاقاً من هذه المرتكزات الثلاثة، يتمدّد "حزب الله" وحليفه من الجولان شرقاً، ويتوسّع شمالاً عبر شبكة الطرق الدولية التي يحرص على تأمينها، وصولاً إلى العاصمة وحمص فطرطوس.
إنه تماماً خط الحدود اللبنانية - السورية ولكن من الجانب السوري. والتأمّل في الخريطة، يوحي بأن لهذا الخط معناه، لا العسكري فحسب، بل الديموغرافي أيضاً.
لقد رفع الرئيس حافظ الأسد شعار "شعب واحد في دولتين"، لكنه جعل لبنان وسوريا دولة واحدة "في سوريا فقط"، ولها مقاومة واحدة "في لبنان فقط"... وبلا شعب لا هنا ولا هناك!
وأما اليوم، فلا دولة لا في لبنان ولا في سوريا. وتبرز ملامح أكثر من "شعب" هنا وهناك. وعلى رغم ذلك، هناك "مقاومة واحدة" للجميع وعنهم... وعليهم، في البلدين.
مقاومة تتأهب هناك في الجولان، لكن حقلها الفعلي حالياً هو هنا في القُصَير...مقاومة تكمن هناك في المزارع، لكن حقلها الفعلي حالياً هو هنا... في بيروت!